وقفوهم إنهم مسؤلون

الرئيسية



الرئيسية اليوم هو : الخميس 26- 9- 1435 هـ



خيارات الاصوات الزيارات تاريخ النشر عنوان المقالة
14
10698 الجمعة 20- 9- 1427 هـ
العفو حسنات وجنات

العفو . . . حسنات وجنات

الحمد لله ذي العفو والحلم ، ذي العطاء والنعم ، فارج الهم ، كاشف الغم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى الأمن والسلم ، اللهم صلي عليه وسلم ، دعا للفقه والعلم ، خير البرية فبه أنعم ، وسيد البشرية وبه أكرم ، وعلى آله وأزواجه وصحابته أهل المكارم ، وأصحاب الشيم ، اعتلوا أعالي القمم ، وسمت نفوسهم الهمم ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . . . وبعد :

إننا أمة العفو والصفح ، والتنازل والغفران والتسامح ، فهي سمات حميدة ، وصفات مجيدة ، في أمة تليدة .
العفو خلق كريم ، خلق نبيل ، خلق أصيل تأصل في نفوس المسلمين ، وضرب أطنابه منذ القديم في قلوب المؤمنين .
ما أعظم الإنسان ، وما أكمل خلقه ، وما أعلى منزلته عندما يعفو عن قاتل قريبه وحبيبه ، ويحتسب ذلك عند الله عز وجل ، رجاء المغفرة العظمى ، والمنة الكبرى ، من الله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم ، فيأتي العافي عن الجاني ، ويحصد من الحسنات حتى يرضى ، وهل بعد دخول الجنة مطمع .
الله سبحانه وتعالى أرشدنا إلى العفو وأنه من تقوى الله تعالى ، وهو مما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، قال الله تبارك وتعالى : { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ البقرة237 ] .

فالأفضل للإنسان إذا تمكن من القصاص من غريمه ، وخُيِّر بين العفو والقصاص ، أن يختار العفو ، لأنه الخيار الذي اختاره الله تعالى ، والخيرة فيما اختاره الله عز وجل .

الله جل وعلا يحب العافين ، أفلا نكون من العافين ، من الذين يحبون العفو ، من الذين يحبون ربهم وينفذون أمره ، ويقبلون إرشاده وتوجيهه ، أفلا نرغب في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للعافين عن الناس ، والمتنازلين عن الحقوق ، اسمعوا قول الله تعالى : { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [ آل عمران 133-134 ] .
سبحان الله العظيم ! ربنا تبارك وتعالى غني عنا ، ونحن الفقراء إليه ، ونحن الضعفاء المنكسرين بين يديه ، يدعونا للعفو ، ويبين لنا أن العفو من تقواه ، فهل يجدر بنا أن نخالف توجيه الخالق سبحانه ، ما أعظم العفو والصفح عن الجناة ، ونحيل أمرهم إلى الله .

لا إله إلا الله ! وهل القصاص وعدم العفو سيعيد ما ذهب ؟ كلا والله ، لن يعيد شيئاً ، بل سيزيد الأمة جراح ، وتضيع أسر ، ويتشرد أبناء وبنات ، وتترمل نساء ، ويعم الحزن بيوتاً بدل بيتٍ واحد .

فماذا يجني من لا يعفو ؟ والله لن يجني شيئاً يحبه ويتمناه ، بل سيجني كراهية الناس له ما بقي حياً ، وهذا أمرٌ مشاهد ملموس معروف .

بينما يجني العافي محبة الناس ، والله يجني محبة من يعرفه ومن لا يعرفه ، يجني الدعاء الذي ينطلق من الألسن والشفاه ، فكم من إنسان دُفعت عنه نقم وفتن ومحن بسبب دعاء الناس له ، وكم للعافي من فضيلة على المعفو عنه وأهله وعشيرته ، بل حتى على الأمة ، حري به إن طلب شيئاً ، أُجيب إليه ، وإن شفع أن يُشفَّع ، وإن سأل إن يُعطى ، وإن جلس أن يفسح له ، إذا دخل رحَّب الناس به ، وإذا خرج دعوا له ، يا لها من ثمار يانعة يتمتع بها العافي عن الجاني مدى الحياة ، ويوم القيامة يزيده الله رفعة ومنزلة وقرباً منه عز وجل ، فهل من عاقل يتدبر ذلك ، ويتنازل ويعفو ويصفح ، قال تعالى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [ الأعراف199 ] .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قال الله تعالى : عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ ، وَمَا زَادَ اللّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا ، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللّهُ " [ أخرجه مسلم ] .

==============================================
معنى العفو :

معنى العفو أي : التجاوز عن الذنب ، وترك العقاب عليه ، وأصله المحو والطَّمْسُ [ المطلع على أبواب المقنع 360 ] .
قال القرطبي رحمه الله : " العفو عفو الله جل وعز عن خلقه ، وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران فإنه لا يكون معه عقوبة البتة ، وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه ، فالعفو محو الذنب " .

والمقصود بمحو الذنب : محو الوزر الموضوع على فعل الذنب ، فتكون أفعال العبد مخالفات أو كبائر ومحرمات ثم بالتوبة الصادقة يبدل الله سيئاته حسنات ، قال تعالى : { إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً } [ الفرقان70 ] فتمحى السيئات عفواً وتستبدل بالحسنات ، أما الأفعال فهي في كتاب العبد حتى يلقي ربه فيدنيه منه ، ويعرفه بذنبه وسوء فعله ، ثم يسترها عليه ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إِنَّ اللَّهَ يُدْنِى الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ : أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ أَيْ رَبِّ ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ : سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ : هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ ، أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ " [ أخرجه البخاري ] .

فالوزر أو عدد السيئات هو الذي يُعفى ويُمحى من الكتاب ، أما الفعل ذاته المحسوب بالحركات والسكنات أو مقياسه في مثقال الذرات ، فهذا على الدوام مسجل مكتوب ، ومرصود محسوب بالزمان والمكان ، ومقدار الإرادة والعلم والاستطاعة ، قال تعالى : { وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } [ الكهف49 ] .

إن الذي يجود بالعفو عبدٌ كرمت عليه نفسه ، وعلت همته وعظم حلمه وصبره ، قال معاوية رضي الله عنه : " عليكم بالحلم والاحتمال حتى تمكنكم الفرصة، فإذا أمكنتكم فعليكم بالصفح والإفضال" .
إن العفو هو خلق الأقوياء الذين إذا قدروا وأمكنهم الله ممن أساء إليهم عفوا .

الفرق بين العفو والصفح :

العفو والصفح متقاربان في المعنى فيقال :
صفحت عنه : أعرضت عن ذنبه وعن تثريبه ، كما يقال : عفوت عنه .
إلا أن الصفح أبلغ من العفو فقد يعفو الإنسان ولا يصفح .

فالصفح ترك المؤاخذة ، وتصفية القلب ظاهراً وباطناً ، ولقد دعا الله جل وعلا إلى الصفح ودعاه بالجميل ، فقال سبحانه وتعالى : { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } [ الحجر85 ] .

والصفح أبلغ من العفو ، ولذلك قال الله تعالى : { فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ البقرة109 ] [ الموسوعة الفقهية 30/167 ، نضرة النعيم 7/2890 ] .

إنّ العفو والتجاوز لا يقتضِي الذّلَّةَ والضعف ، بل إنه قمَّة الشجاعة والامتنانِ وغلَبَة الهوى ، لاسيَّما إذا كان العفوُ عند المقدِرَة على الانتصار ، فقد بوَّب البخاريّ رحمه الله في صحيحه بابًا عن الانتصارِ من الظالم لقوله تعالى : { وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } [ الشورى39 ] ، وذُكِرَ عن إبراهيم النخعيّ قوله : " كانوا يكرَهون أن يُستَذَلّوا ، فإذا قدروا عفَوا" [ أخرجه البخاري ] ، قال الحسن بنُ علي رضي الله تعالى عنهما : " لو أنَّ رجلاً شتَمني في أذني هذه ، واعتذر في أُذني الأخرَى ، لقبِلتُ عذرَه " [ الآداب الشرعية لابن مفلح 1/319 ] ، وقال جعفرُ الصادِق رحمه الله : " لأن أندمَ على العفوِ عشرين مرّةً ، أحبُّ إليَّ من أندَم على العقوبة مرة واحدة " [ أدب المجالسة لابن عبد البر 116 ] ، وقال الفضيل بنُ عياض رحمه الله : " إذا أتاك رجلٌ يشكو إليك رجلاً فقل : يا أخي ، اعفُ عنه ؛ فإنَّ العفو أقرب للتقوى ، فإن قال : لا يحتمِل قلبي العفوَ ، ولكن أنتصر كما أمرَني الله عزّ وجلّ فقل له : إن كنتَ تحسِن أن تنتَصِر ، وإلاّ فارجع إلى بابِ العفو ؛ فإنّه باب واسع ، فإنه من عفَا وأصلحَ فأجره على الله ، وصاحِبُ العفو ينام علَى فراشه باللّيل ، وصاحب الانتصار يقلِّب الأمور ؛ لأنّ الفُتُوَّة هي العفوُ عن الإخوان " .

والصّفح والعفو هما خلُقُ النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأين المشمِّرون المقتَدون ؟! أين من يغالِبهم حبُّ الانتصار والانتقام ؟! أين هم من خلُق سيِّد المرسَلين صلى الله عليه وسلم ؟! سُئِلَت عائشة رضي الله عنها عن خلُق رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالت : " لم يكن فاحِشًا ولا متفحِّشًا ولا صخَّابًا في الأسواق ، ولا يجزِي بالسيِّئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح " [ أخرجه أحمد والترمذي وقال : حديث حسن صحيح وأصله في الصحيحين ] .

وقد جاءتِ الآيات متضَافِرةً في ذكرِ الصفح والجمعِ بينه وبين العفو كما في قولِه تعالى : { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } [ المائدة13 ] ، وقوله : { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } [ البقرة109 ] ، وقوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًا لَّكُمْ فَاحْذَرُوَهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ التغابن14 ] .
============================================
الله جل جلاله العفو :
العفو : اسم من أسماء الله الحسنى ، العَفوُّ في اللغة على وزن فعُول من العَفوِ ، وهو من صيغ المبالغةِ ، يقال : عَفا يَعْفو عَفواً فهو عاف وعَفوٌّ .

والعفو : هو التجاوُزُ عن الذنب وتَرْك العِقاب عليه ، وأَصله المَحْوُ والطمْس ، مأْخوذ من قولهم عَفَت الرياحُ الآثارَ إِذا دَرَسَتْها ومَحَتْها ، وكل من اسْتَحقَّ عندك عُقوبة فتَرَكتَها فقد عَفَوْتَ عنه ، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو رضي الله عنه قال : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ ؟ فَصَمَتَ ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلاَمَ ، فَصَمَتَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ : " اعْفُوا عَنْهُ فِي كُل يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّة " [ أخرجه أبو داود وصححه الألباني ] ، فالعفو هو ترك الشيء وإزالته ، وقوله تعالى : { عَفَا الله عَنْكَ } [ التوبة43 ] ، أي مَحا الله عنك هذا الأمر وغفر لك .
والعفو يأتي أيضا على معنى الكثرة والزيادة ، فعَفوُ المالِ هو ما يَفضُل عن النَّفقة كما في قوله تعالى : { وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ } [ البقرة219 ] ، وعَفا القوم كثرُوا وعَفا النَّبتُ والشَّعَرُ وغيرُه يعني كثرَ وطال ، ومنه الأَمَرَ بإِعْفاءِ اللحَى .

والعفوُّ سبحانه : هو الذي يحب العفو والستر ، ويصفح عن الذنوب مهما كان شأنها ، ويستر العيوب ولا يحب الجهر بها ، يعفو عن المسيء كَرَمًا وإحسانًا ، ويفتح واسع رحمته فضلاً وإنعاماً ، حتى يزول اليأس من القلوب ، وتتعلق في رجائها بمقلب القلوب .

النبي صلى الله عليه وسلم يعفو :

ما أعظم عفو وصفح الحبيب محمد _ صلى الله عليه وسلم _ عندما دعا قومه إلى دين الحق ، والصراط المستقيم ، عندما دعاهم لما يحييهم ، وينقذهم من عذاب أليم ، دعاهم شفقة ورحمة بهم ، فما كان منهم إلا أن كذبوه ، واتهموه بالسحر ، والكذب ، والجنون ، وسلطوا عليه سفهاءهم ، فخرج من ثقيف حزيناً كئيباً ، لأن قومه لم يعلموا صدقه ، لم يعلموا حقيقة ما يدعوهم إليه فكذبوه ، ولو علموا لاهتدوا ، ولكن كما قال الله عز وجل : { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [ القصص56 ] .

عندما خرج منكسراً ، بعدما بقي يدعو قومه خوفاً عليهم من أن يصيبهم مثل ما أصاب الأقوام من قبلهم لما كذبوا رسلهم من العذاب والعقاب ، حيث قال الواحد القهار سبحانه : { فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ العنكبوت40 ] .

كان خوفه صلى الله عليه وسلم على قومه من انتقام الجبار جل وعلا لتكذيبهم دعوته ، يجعله يهتم أشد الهم ، ولكنه سيدافع عن قومه ، لأنهم لا يعلمون ، فلما خرج من ثقيف أتاه ملك الجبال للانتقام ، عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه ؛ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : يَا رَسُولَ اللّهِ ! هَلْ أَتَىٰ عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ فَقَالَ : " لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلَىٰ مَا أَرَدْتُ ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَىٰ وَجْهِي ، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلاَّ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ _ قرن المنازل _ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي ، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبْرِيلُ ، فَنَادَانِي فَقَالَ : إنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ ، قَالَ : فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ! إنَّ اللّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ ، فَمَا شِئْتَ ؟ إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ " فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : " بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ وَحْدَهُ ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً " [ متفق عليه ] .

يا له من نبي رحيم ، عفو كريم ، عفا عن قومه بعدما كذبوه وأدموا عقبيه ، فاخضبت رجلاه من الدم _ بأبي وأمي ونفسي هو صلى الله عليه وسلم _ .

ولم يُخيَّر النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً ، وفي غزوة بدر الكبرى عندما أسر المسلمون سبعين من المشركين كان رأي الله جل وعلا الإثخان في الأرض وقتال العدو حتى نهاية المعركة ، والكف عن أخذ الأسرى قبل أن تضع الحرب أوزارها ، ولم يعلم بذلك الأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستشار الصحابة رضوان الله عليهم في أمر الأسارى ، فاختلفت الآراء ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَىٰ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : " مَا تَرَوْنَ فِي هَـٰؤُلاَءِ الأُسَارَىٰ ؟ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه : يَا نَبِيَّ اللّهِ ! هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ ، أَرَىٰ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً ، فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ ، فَعَسَىٰ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِسْلاَمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : " مَا تَرَىٰ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ " قُلْتُ : لاَ ، وَاللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ ! مَا أَرَى الَّذِي رَأَىٰ أَبُو بَكْرٍ ، وَلٰكِنِّي أَرَىٰ أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ، فَتُمَكِّنَ عَلِيّاً مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلاَنٍ (نَسِيباً لِعُمَرَ) فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، فَإنَّ هٰؤُلاَءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا ، فَهَوِيَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : " أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَىٰ منْ هَـٰذِهِ الشَّجَرَةِ " (شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ) وَأَنْزَلَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ : {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ } ، إِلَىٰ قَوْلِهِ : { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً} [ الأنفال 69 ـ 67] ، فَأَحَلَّ اللّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ " [ أخرجه مسلم ] .

فانظر إلى عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن صناديد قريش مع كفرهم وشركهم وكراهتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من الدين الصحيح ، وهمهم بقتله يوم بدر ، ومع ذلك ظهرت رحمته ورأفته وكرمه وجوده ، فعفا عنهم مقابل الفدية .
وعندما فتح مكة ، فقد آذاه قومه في بداية الدعوة ، واتهموه باتهامات باطلة كالكذب والسحر والجنون والشعر ، ووضعوا سلا الجزور على رقبته الشريفة ، ومنهم من خنقه حتى كاد يقتله ، وتآمروا على قتله ، لكن نجاه الله عز وجل ، وقتلوا أصحابه ، وضيقوا عليهم الخناق في مكة إبان الدعوة المحمدية الجهرية ، مما اضطر الصحابة الكرام إلى الهجرة إلى الحبشة مرتين هروباً من الظلم والجور والعذاب الواقع بهم من قبل كفار قريش بمكة المكرمة ، وحدث فيها من الأحداث ما يجعل الحليم غضبان ، بل ما يجعل العاقل المفكر الممعن النظر يتمنى رد الكرة عليهم ولو طال الزمان ، ولكنه محمد بن عبد الله _ صلوات الله وسلامه عليه _ لا ينتقم لنفسه أبداً ، إلا إذا انتهكت محارم الله تعالى .
فلما كان فتح مكة قال مقولته المشهورة : " مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَهُوَ آمِنٌ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ " .

فهرب أكثر الناس إلى المسجد الحرام ، ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم وطاف على بعيره حول الكعبة المشرفة ، ثم دخل البيت ، وكبر في نواحيه ، ووحد الله ثم فتح باب الكعبة ، وقريش قد ملأت المسجد صفوفاً ينتظرون اللحظة الحاسمة ، فكل ينتظر قدره المحتوم ، فخرج ووقف على باب الكعبة فقال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ثم قال : يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيراً ، أخ كريم ، وابن أخ كريم ، قال : " فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته : { لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } [ يوسف92 ] ، اذهبوا فأنتم الطلقاء .

ولو أردنا تقصي مواقف الحبيب محمد _ صلى الله عليه وسلم _ في العفو والصفح عمن أساء إليه لاحتجنا وقتاً وجهداً ، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق ، والله سبحانه الموفق .
فلنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ، وقدوة طيبة ، يجب أن نحتذي بها ، ونقتفي أثرها ، لاسيما في العفو والغفران ، والتجاوز عن الآخرين فيما إذا أساءوا لنا ، وندخر ذلك ذخراً لنا عند الله العفو الغفور الرحيم ، الذي تجاوز عن كثير من سيئاتنا ، وأمهلنا وأمد لنا في العمر ولم يأخذنا بالتقصير والتفريط في جنبه سبحانه ، فكم عصينا ربنا ، وكم تمردنا على علام الغيوب ، وهو يستر العيوب ، ألا نغفر ونعفو نحن ونتازل لمرضاة الله تعالى ، ورجاء مغفرته يوم القيامة ، يوم العرض والحساب ، يوم أن يحتاج العبد إلى حسنة واحدة تدخله الجنة فلا يجد ، فربما وجد أثر العفو والصفح حسنات كالجبال ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم على منبره يقول : " ارحموا تُرحموا ، واغفروا يغفر الله لكم ، ويل لأقماع القول ، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون " [ أخرجه أحمد ، وصحح إسناده الشيخ / أحمد شاكر رحمه الله ] .

الله يدعو إلى العفو :

ما أعظم الله جل وعلا ، ما أرأفه بخلقه ، وما أرحمه بعباده ، يتحمل أخطاءهم ، ويصبر على أذاهم وهو قادر على تعذيبهم ، ولكنه العفو الغفور ، عن أبي موسى رضي الله عنه ، عنِ النبيِ صلى الله عليه وسلم قال : " مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَىٰ أَذىً يَسْمَعُهُ مِنَ اللّهِ تَعَالَىٰ ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ نِدًّا ، وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَداً ، وَهُوَ مَعَ ذٰلِكَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ وَيُعْطِيهِمْ " [ متفق عليه واللفظ لمسلم ] .
الله جل في علاه يتحبب إلى عباده ويدعوهم لما يقربهم منه سبحانه ، ومن أعظم القربات العفو عن الجناة ، فهو النعيم في الجنات ، وميدان جني الحسنات ، الله عز وجل يأمر نبيه بالعفو والمغفرة ، فيقول له : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [ الأعراف199 ] .

قال عبد الله بن الزبير : " ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس " [ أخرجه البخاري ] .
وقَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه : " أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاقِ النَّاسِ " [ أخرجه البخاري ] .
قال تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } [ الشورى25 ] .
وقال تعالى : { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [ الشورى30 ] .

وقال تعالى : { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [ الشورى43 ] ، ولمن صبر على الأذى ، وقابل الإساءة بالعفو والصفح والسَّتر, إن ذلك من عزائم الأمور المشكورة ، والأفعال الحميدة التي أمر الله بها ، ورتَّب لها ثوابًا جزيلا وثناءً حميدًا .

قال الله عز وجل : { قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ } [ الجاثية14 ] ، الله عز وجل يقول - أيها الرسول – قل للذين صدَّقوا بالله واتَّبَعوا رسله يعفوا , ويتجاوزوا عن الذين لا يرجون ثواب الله , ولا يخافون بأسه إذا هم نالوا الذين آمنوا بالأذى والمكروه ، دعوة للصفح والعفو عن الكفار ، فكيف بالمسلمين ، لهم والله أعظم أمراً ، وأكثر اهتماماً بالعفو عنهم .
لاسيما من قَتَلَ دفاعاً عن عرضه ، أو دفاعاً عن ماله ، أو دفاعاً عن نفسه ، أو نتيجة لضغوط نفسيه وأسرية ربما فقد معها زمام الأمور ، المهم أن لكل جريمة دوافعها ، فيقدر الضرر بحسبه ، وفي كل فالعفو أفضل ، ما لم يكن العفو سبيلاً لخروج القاتل أو المجرم ليعود لغيه وطيشه وزيغه ، ويُعرف أنه لن يرتدع إلا بالقصاص فالقصاص حل أمثل ، وسبيل أقوم ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ البقرة178 ] ، وقال سبحانه : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ المائدة33 ] .

دعوة إلى العفو والمغفرة :

لا شك أن صاحب القصاص حين طلبه له ، فهو مغضب ، ربما تملك زمام أمره شياطين الإنس والجن ، ولا أقول ذلك تُهمة أو سباً _ معاذ الله أن يكون ذاك قصدي _ ولكن الشيطان يحضر في مثل مجالس العفو والمحاورة بين أصحاب الدم والصلحاء والفضلاء من الناس الذين يتدخلون للصلح أو العفو ، وهذا أمر لا يُرضي الشياطين أبداً ، فالشيطان عدو للإنسان ، يسعى لهلكته وقهره وضعفه ، وإبعاده عن دينه ، تراه جاهداً في إبعاد العبد عن ساحة الحسنات ، وميدان المنافسات إلى الخيرات ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } [ البقرة208 ] ، فإياك واتباع سبيل الشيطان ، فسبيله محفوف بالمخاطر ، محاط بالأشواك ، فمن كان مغضباً فليتبع هدي الحبيب صلى الله عليه وسلم ، عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه ، أنَّ رجلاً قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم أوصِني قال: " لا تَغضب " ، فردَّدَ مراراً، ، قال : لا تَغضب " [ أخرجه البخاري ] .

الغضب من أشد وسائل الفتنة بين الناس ، وفي مجلس الصلح والعفو ربما يغضب أهل الحق والدم ، فعليهم بالوصية السابقة ، ومن علاج الغضب الوضوء ، عن عطية هو ابن سعد السعدي وقد كانت له صحبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الغضب من الشيطان ، وإن الشيطان خلق من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء ، فإذا أغضب أحدكم فليتوضأ " [ أخرجه أحمد وأبو داود ] .
ومن علاج الغضب ما أشار إليه حديث أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال : إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لَنَا : " إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمُ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسُ ، فإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ " [ أخرجه أحمد وأبو داود ] ، وحتماً بإذن الله ستهدأ النفوس ، وتستقر القلوب ، وتسكن وسوسة الشياطين ونزغاتهم ، قال الله تعالى : { وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } [ الشورى37 ] .

وربما جاء أحدهم غيرة وحمية وشيطانية ، ينفث في روع المسلم أن يقتص والقصاص حق لا ثواب فيه ، ولكن العفو أعظم أجراً ، وأكثر خيراً ، وأشد اتباعاً لهدي الكتاب العزيز ، والسنة المطهرة ، وأعلى منزلة عند الله وعند عباده ، فإن جاءك الشيطان فاستعذ بالله منه ومن كيده ونفثه ونفخه ، وإياك ووسوسته ، فكثير من الناس يتتبع أقوال الآخرين لاسيما في مواضع حث الله عليها ، ودعا إليها ، ومع ذلك ترى أكثر الناس يدعون لغير مرضاة الله واختياره ، يدعون إلى القصاص والأخذ بالثأر ، وربما أشعروا أهل الدم أن ذلك يريح قلوبهم ، ويشعرهم بالطمأنينة ، وأنهم أخذوا بثأر قتيلهم ، وكل ذلك من كيد الشيطان ، إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ، وتأمل قول ربك تبارك وتعالى حيث قال : { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً } [ النساء120 ] ، وقال سبحانه : { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } [ الأنعام116 ] .

العفو سمة الأتقياء ، وشارة الأوفياء ، والعبَّاد الأنقياء ، العفو يزيد في حسنات الميت ، والعافي عن الجاني ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : " مَا مِنْ رَجُلٍ يُجْرَحُ في جَسَدِهِ جِرَاحَةً فَيَتَصَدَّقُ بِهَا ، إلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى عَنْهُ مِثْلَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ " [ أخرجه أحمد ورجاله رجال الصحيح ، وقال الألباني صحيح لغيره ] .

وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أصيب بشيء في جسده فتركه لله ، كان كفارة له " [ أخرجه أحمد ] .

فيا أخي صاحب الحق اترك القصاص ، وخذ العفو ، واغفر لمن ظلمك أو اعتدى على قريبك ، فذلكم سبيل الشهامة وأهل الكرامة ، وذلكم دعوة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك مغفرة لمن ظُلم أو قُتل ، فالدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، ولو أخذت عوضاً عنه ملايين أو أكثر ، فأعمار الأمة بين الستين والسبعين ، وقليل من يجاوز ذلك ، فاعمل الخير اليوم ، وتجاوز وأصفح عن الغير هنا ، تجد أثرها وريحانتها ، وبردها وثمرتها هناك في جنات النعيم ، وأي لذة وأي فرحة وأي أثر ستجده عندما تُطالب بالقصاص ، والله لن تهدأ نفسك وأنت ترى أهل من طلبت قصاصه وهم يغدون ويروحون ويتوسطون ويهينون أنفسهم لديكم لتعفوا وتصفحوا عن ابنهم أو أبيهم أو أخيهم ، كيف سيهنأ لك بال ، ويقر لك قرار وأنت تراهم يتألمون ، وهو يتألم معهم مرات ومرات كل يوم وليلة ، والله يكفيهم هذا العذاب النفسي ، والتعب الجسدي ، لا نوم ولا طعام ولا راحة ، بل قلق وهم وغم ، لو مات عائلهم لكان أهون عليهم من انتظار العفو أو القصاص .
ألا تُحب أن يغفر الله لك ؟ تنازل عن حقك ، واعف واغفر عمن أساء إليك ، يغفر الله لك ذنوبك .

لا تنفذ غيظك :
الغيظ من الصفات القبيحة ، والسمات المهينة السيئة ، ولذا حذر منها الشارع الكريم ، ووصف بها أعداءه ، فقال تعالى : { قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ آل عمران119 ] ، وقال سبحانه : { وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً } [ الأحزاب25 ] .

الغيظ لا يأتي بخير ، بل ريما تغيظ الإنسان حتى ينسى نفسه ، فيقول ويفعل ما لا يوافق الشريعة المطهرة ، أو ما لا يوافق هوى العقلاء من الناس ، ثم يندم حين لا ينفع الندم ، ولهذا إذا غيظ الإنسان فليحلم وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، وليترك المكان الذي هو فيه ، فإن الشيطان قد حضره ، ولا يركن إلا إلى أهل العلم والفضل والدعوة إلى الله تعالى ، فهم خير معين له على عدوه اللعين اللدود .

كظم الغيظ فوز بالحور العين في الجنان ، وكمال بالأمن والإيمان ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ : " مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ ، دَعَاهُ اللَّه سُبْحَانَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الْحُورِ الْعينِ مَا شَاءَ " [ أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ، وابن ماجه ، وقال الألباني رحمه الله : حسن لغيره ] .

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم : " مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ ، مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ ، كَظَمَهَا عَبْدٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّه " [ أخرجه ابن ماجة ، وقال المنذري : رواته محتجّ بهم في الصحيح ، وقال الألباني رحمه الله : صحيح لغيره ] .
منذ أن خلق الله الخلق وهم يتسابقون في مضمار الحياة الفانية ، ابتغاء الجنة العالية ، في الآخرة الباقية ، وكل مؤمن صدق الله في إيمانه ، يبتغي بكل عمل يعمله ، أو قول يقوله ، يبتغي به وجه الله والدار الآخرة ، فكل ما في الحياة مهر للآخرة ، كل ما في الدنيا طريق للوصول لرضى الرحمن ، والفوز بالجنان ، والنجاة من النيران ، فهل إذا جاء الوقت الذي يبين العبد لربه صدق نيته ، وحسن قصده ، يزيغ وينتكس وينكص على عقبيه ، وإذا دُعي إلى العفو والغفران ، يشتري الدنيا ويبيع الآخرة ، لهو عبد خاسر ، كاسد التجارة ، فلا أعظم من أن يبتغي الإنسان بالعفو والصفح مرضاة الله تعالى ، وشراء جوار النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وجميع الصالحين من هذه الأمة المحمدية ، فلنعف ولنصفح ، ولنسامح ولنتسامح ، هذه هي دعوة الدين الصحيح ، عن أنسِ بن مالك رضي الله عنه ، أن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم قال : " لا تَباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابَروا ، وكونوا عبادَ اللّه إخواناً ، ولا يَحلُّ لمسلمٍ أن يَهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاث ليال " [ متفق عليه ] .

فلا تنفذ غيظك أيها المسلم إن قدرت على إنفاذه ، وتذكر أبوان سقيمان حزينان منكسران ، ينتظران خروج ولدهما ليبرهما ، وتذكر أبناء وبنات ينتظرون الإفراج عن والدهم ليجتمع شملهم ، ولا تنسى زوجة يكاد الهم والحزن يحرق قلبها ، فلا معين لها بعد الله إلا زوجها ، ولا منفق عليها إلا هو فلا تغلق الحياة في عيونهم ، ولا تطفأ سراج الاجتماع بينهم بغيظ تملك قلبك ، وغضب سيطر عليك ، وارحم أسرة تنتظر عائلها أو ابنها أو أخوها ، اعطف عليهم وارفق بهم ، واحتسب ذلك عند ربك وربهم ، فالجزاء بأكثر مما تتصور ، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى العفو ، والله جل جلاله دعا إليه ، عنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ : " مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ ، إلاَّ أمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ " [ أخرجه الخمسة إلا الترمذي ، وقال الشوكاني في نيل الأوطار : إسناده لا بأس به ] .

العفو عز في الدنيا والآخرة :

ولا ينكر ذلك إلا جاحد بكتاب الله تعالى ، وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإلا فالنصوص الشرعية كثيرة وفيرة دالة على فضل العفو عن القصاص ، والصفح عن الحقوق ، والتجاوز عن الزلات والخطيئات .

فكم من الناس من قدر على الانتقام من قاتل أو مذنب بحقه أو حق قريبه ، ووفقه الله للقدرة على القصاص ومع ذلك عفا وصفح وغفر ، فيا الله ما أعظم الخير الذي غنمه ، وما أكثر الأجر الذي حظي به ، فهنيئاً له فضل الله الذي يؤتيه من يشاء ، قال تعالى : { وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ النــور22 ] هذا هو الرفعة في الآخرة ، المغفرة من الله فور العفو والصفح عن المذنبين ، وهل هناك أعظم من مغفرة الله تعالى لذنوب عباده يوم القيامة ؟ فما أحوجنا إلى العفو عن الناس ليغفر الله لنا ذنوبنا ويرحمنا ، ويستر عيوبنا .

الله جل وعلا يحذرنا من الغيظ ، ويبين لنا أن كظم الغيظ منزلة لا يستطيعها إلا من وفقه الله للقيام بها من المؤمنين الصادقين ، ووعد على ذلك موعوداً كل الناس يتسابق إليه ، قال تعالى : { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } [ آل عمران 133- 136 ] .

فقوله تعالى: { وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } أي : لا يُعْمِلُون غضبهم في الناس ، بل يكفون عنهم شرهم ، ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل ، ثم قال تعالى : { وَٱلْعَـافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ } أي : مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم ، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد ، وهذا أكمل الأحوال ، ولهذا قال تعالى : { وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } فهذا من مقامات الإحسان ، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " ثَلاَثٌ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنْ كُنْتَ لَحَالِفاً عَلَيْهِنَّ : لاَ يَنْقُصُ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا ، وَلاَ يَعْفُو عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ إلاَّ زَادَهُ اللَّه بِهَا عِزًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلاَ يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إلاَّ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ " [ أخرجه أحمد وقال الألباني : صحيح لغيره ] .

وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَفَ لَهُ الْبُنْيَانُ ، وَتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتُ ، فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ ، وَيُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ ، وَيَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ " [ أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ] .

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " إذَا وَقَفَ الْعِبَادُ لِلْحِسَابِ ، جَاءَ قَوْمٌ وَاضِعِي سُيُوفِهِمْ عَلَى رِقَابِهِمْ تَقْطُرُ دَماً ، فَازْدَحَمُوا عَلَى بَابِ الْجَنَّةَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَؤُلاءِ ؟ قِيلَ : الشُّهَدَاءُ كَانُوا أَحْيَاءً مَرْزُوقِينَ ، ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ : لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ نَادَى الثَّانِيَةِ : لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الْجَنَّةَ ، قَالَ : وَمَنْ ذَا الَّذِي أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ؟ قَالَ : الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ ، ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ : لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الْجَنَّةَ ، فَقَامَ كَذَا وَكَذَا أَلْفاً ، فَدَخَلُوهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ " [ أخرجه الطبراني بإسناد حسن ] .
وهذا الحديث يصدقه قول الله تعالى : { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } [ الشورى40 ] .

جزاء سيئة المسيء عقوبته بسيئة مثلها من غير زيادة , فمن عفا عن المسيء , وترك عقابه , وكظم غيظه ، وأذهب غضبه ، وتنازل لوجه الله ، وأصلح الودَّ بينه وبين المعفو عنه ابتغاء وجه الله ، فأَجْرُ عفوه ذلك على الله ، ومن كان أجره على الله فلن يندم لا محالة ، بل سيجني من الكريم أعظم الكرم ، ومن الجواد أفضل الجود ، وهل هناك أفضل من دخول الجنة ورؤية وجه الملك الجبار سبحانه وتعالى ، فطوبى ثم طوبى لمن تنازل عن حقه ، وعفا عمن أساء إليه ، فالله يحب المحسنين .

وتذكر أن وراءك يوماً ثقيلاً ، يوماً يجعل الولدان شيباً ، وأنت هناك تنادي بالحسنة فربما لا تجدها ، لأنك مهما عملت في هذه الدنيا فلن توفي حق نعمة واحدة من نعم الله عليك ، فاعمل صالحاً واعف عن مسيءٍ أساء إليك ، وتنازل عمن أخطأ بحقك ، وأصفح عمن قتل قريبك ، أو ظلم عزيزاً عليك ، فأجر ذلك يوم القيامة ، يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية .

وأعرف أحد التجار قُتل أحد أبنائه ، ومع ذلك فقد عفا عن القاتل في ساحة القصاص ، وتنفيذ الحكم ، فهلل الحاضرون وكبروا ، وشكروا له صنيعة ، وهو الآن يحظى بمكانة كبيرة وعظيمة في قلوب جيرانه ومن يعرفونه ، لأنه صفح وسمح لوجه الله ، وترك شيئاً هو قادر على أن ينفذه ، ابتغاء رضوان الله ، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ، هذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم ، لقد عوضه الله أبناء آخرين ، وعوضه الله صبراً يحتسبه عند الله تعالى ومنزلة وقدراً في قلوب من حوله ، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه ، أن رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قال : " يقولُ اللّهُ تعالى : ما لعبدي المؤمِن عندي جَزاءٌ إذا قَبَضتُ صفيَّه مِن أهلِ الدنيا ثمَّ احتَسَبه إلا الجنّة " [ متفق عليه ] .


عن أبي مُوسى الأَشْعَري رضي الله عنه قالَ : قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " إذا ماتَ وَلَدُ العبدِ المؤمنِ ، قالَ اللَّهُ للملائكةِ : قَبَضْتُم وَلَدَ عبدِي ؟ قالوا : نَعَمْ ، قال : قَبَضْتُم ثَمَرَةَ فؤادِه ؟ قالوا : نَعمْ ، قال : فَمَا قال ؟ قالوا : استرجَعَ وحَمِدَكَ ، قالَ : ابْنُوا لَهُ بَيْتاً في الجَنَّةِ وسَمُّوهُ بيتَ الحَمْد " [ أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان وغيرهم ] .

فلا تحرمن نفسك هذا الأجر أيها المسلم ، بيت في الجنة إذا عفوت عن خصمك وغريمك ، فوز بجنة عرضها السموات والأرض ، إذا صفحت عن قاتل حبيبك وقريبك ، أي مسلم يضيع هذا الأجر مقابل شؤم الانتقام ، ورغبة التشفي ، وليس هذا خلق المسلم ، بل الأعظم من الانتقام أن تتنازل وتعفو وتصفح وتحسن إلى من أساء إليك ، لأن الله يحب المحسنين .


فوائد العفو والغفران :

1- العفو والغفران ، من مظاهر حسن الخلق .
2- العفو والغفران ، دليل على كمال الإيمان وحسن الإسلام .
3- العفو والغفران ، دليل على سعة الصدر ، وحسن الظن .
4- العفو والغفران ، ثمرة محبة الله عز وجل ، ثم محبة الناس .
5- العفو والغفران ، أمان من الفتن ، وعاصم من الزلل .
6- العفو والغفران ، دليل على شرف النفس وكمال خصالها .
7- العفو والغفران ، يهيئان المجتمع والنشء الصالح للحياة .
8- العفو والغفران ، طريق نور وهداية لغير المسلمين [ نضرة النعيم 7/2910 ] .

قال الله تعالى : { فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } [ المائدة 45 ] .
وقال ابن تيمية رحمه الله : " العفو إحسان ، والإحسان هنا أفضل " [ مجموع الفتاوى ] .

وذهب الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى مشروعية العفو عن القصاص ، لقول الله تعالى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } [ البقرة178 ] .
أسأل الله تعالى أن يقينا الفتن والشرور ، ويمنحنا الفرح والسرور ، ودخول الجنة دار الحبور ، وأسأله سبحانه أن يوفق المحسنين العافين عن المذنبين إلى كل خير ، وأن يجعل تنازلهم في موازين حسناتهم ، ويلهمهم الصبر والسلوان ، وأن يجمعهم بأحبائهم وأمواتهم في جنة الرضوان ، وأن يعلي لهم الدرجات ، ويزيد لهم في الحسنات ، ويغفر لهم السيئات ، وأن يبيض وجوههم ، وينور بصائرهم ، ويسلك بهم طريق الصالحين والصديقين ، إنه سبحانه جواد كريم ، قريب مجيب ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

كتبه
يحيى بن موسى الزهراني
إمام الجامع الكبير بتبوك سابقاً
والكاتب بموقع زاد المعاد

هوامش :

للشيخ كتابات ومقالات قادمه فترقبوها


عرض عن العفو حسنات وجنات

   Powered by : Digital Lanes © News-Islam ™ Version 1.5   ® Beta & Alpha..